ثالثة الأثافي

“في مزارع نيل السودان النديّة ترك هذا الرجل رغد عيشه، أو تَركَهُ ربّما رغد العيش، هنا، في بطن وادي عميق، يحتاج الراجل معه إلى ساعات خمس -تزيد أو تنقص- قبل أن يرى معلماً حضارياً، أو إنساً، أو أي شيء ينفي عنه وهم وحدته على هذا الكوكب… كيف تعيش هنا وحيداً؟ رمى عصا خشب قصيرة من يده على الصخور، وفرد راحتي يديه ببطئ، وقال بنبرة خالية من المشاعر: نعمل هنا لين يفرجها ربّك”.

الصورة والتعليق أعلاه للرحالة إبراهيم سرحان

وهذه القصيدة من وحيهما

ثالثة الأثافي

خفيٌّ   عنكَ  ما  تُلقي  السوافي؟

كأنكَ   لمْ   تسافر    في   الفيافي

تجنبتَ الحِمى ،   وسكنتَ    قصراً

من الأوهام  في   أقصى  المنافي

جُزافٌ … كلُّ  عَيشِكَ في  الأماني

ومَنْ      يَزِنُ   الجواهرَ    بالجزاف؟

تعيشُ    الناسُ    كالريح   العواتي

تدورُ   ..  وأنتَ     كالجبلِ    الوِقَافِ

رياحُهُمُ      تهبُّ     على    الغوادي

وأنتَ  تعيشُ  في  سُقمِ    الكَفَافِ

تَعَفُّ     عن     المَغَانِمِ      مُشْرَئبّاً

وترحَلُ     مثلَ     سائبة     العفافِ

رضيتَ  بخُفّكَ    المشقوقِ   حتى

شَرِبْتَ  مِن   الجفا    ماءَ    الجفافِ

قد استوحشتَ   حتى  صرتَ  ذئباً

فهلْ    أنِسَتْ   بك   الريح  العوافي

فلا  رجلاكَ     أبْقَتْ    رَسْمَ   خَطْوٍ

ولا  خَفَقَ   الجناحُ   بذي    الخَوَافي

إذا  هَطَلَتْ  عليكَ     فأي    مَعْنىً

سيبقى  ..   غيرُ    مكدورٍ    وصافِ؟

وأنتَ    إذا    شَربْتَ   فكل   شيء

سيغدو     حينها    المجْدَ   الخُرافي

*************

دعوني  …  مِن  شرابِكُم  الزّعافِ

وآتوني     بشَرْباتِ        المصافي

براني       اللهُ        حُرّاً      مطمئنا

وأبقى    ساهرَ    العينين     وافي

لئلا     تَشْهدَ         الدنيا     هواني

ولا سعيي     إليه     ولا    طوافي

على  بعض  المدى  تعبتْ  خُيولي

وأيُّ   السُّفْنِ    لا    ترِدُ    المرافي

أجُوعُ    –  ولا  أهونُ   –   ويغتذيني

شُواظٌ     من    إبائي      كالسُّلافِ

أبيتُ   على     المبادئ    مُشْمَخِراً

ويصْحو    الوغْدُ   شبعاناً     ودافي

وقد   أَعْرَى  ..   وتُخْفيني    كُهوفٌ

ويلهو   العَبدُ  في   وسط    الزفافِ

على هُدْبِ  النجومِ  وقفتُ   بعضي

وبعضي  فوق  تلك   الشهْب  خافِ

عزيزٌ      أنفيَ       المملوءُ     مَجْداً

وقدْ    باتتْ    أنوفٌ      في    رُعَافِ

ووجهي     أبيضٌ   طَلْقٌ   ..  وأنتمْ

سَوَادُ    وجوهِكُم   أعيا   المَشافي

تسيرُ    رؤوسكمْ    كالرِّجل   فيكم

وأمشي  فوقَ هامِ  السّحْبِ  حافي

دعوني  … لا   أطيق   دُنُوَّ   نفسي

لَعمري      تلك       ثالثةُ      الأثافي

فإمّا     أن      أنوءَ       بكلِّ       حَرفٍ

وإمّا       أنْ     أُريقَ    دَمَ     القوافي

هشام بن صالح القاضي

28 ربيع الآخر 1440هـ

Advertisements

سراب الأخيلة

سراب الأخيلة

جَمّعْتُ أسئلتي  ..  وجئتُ  ..  لأسْأَلَهْ
مَنْ؟ كيف؟ ماذا؟ أينَ؟ ما؟ هَلا؟ لِمَهْ؟

أحضرتُ       للتبيان     كلَّ      صَراحتي
مِن   كل    معنىً     يستدلُّ    بأمثلةْ

وَشَرَعتُ  أنقشُ   كلَّ    لفظٍ   ينطوي
تحتَ   اللِّحاظِ    وفوقَ    كلّ   مُدَلّلة

وأتيتُ  مِن    وادي   اللَّقَالقِ    ترتجي
أنفاسِيَ     الثَّكلى    جوابَ    المَسْألةْ

هيَّأْتُ      نفسي      للجوابِ      كأنَّما
حُشِرَتْ  يَدايَ    بِقَيْدها     مُتَسَلْسِلَةْ

زَلْـــزَلْتُ    كُلَّ      الذكرياتِ     لأجلها
وأَزَلْتُ     إلّا  رَسْمَها      في    الزَّلْزلَةْ

فَلَرُبَّما    رَقَّــــتْ      وَرَقَّ     فُــــؤادُها
حينَ ارتوى   خَدِّيْ  بعِينيْ    المُهمِلةْ

ولربما     دانتْ     لِسَطْوَةِ      ذِلّتي
ولربما   اهتمتْ     لذاتيْ    المُهْمَلَةْ

أيامَ ترجو  الشهبُ   بَعضَ    مَدائحي
وَتَذِلُّ      آلائي     لها    …  مُتَسَوِّلَةْ

ألقيتُ أشيائي ،   وبعتُ  حشَاشَتي
وجَمَعْتُ  كلَّ   مراحلي  في   مرحلة

هذا أنا    …    مُتَعَلِّقٌ     …     ولربما
تسْتَنْهِضُ  الذكرى   سرابَ    الأخيلة

هشام القاضي

الرياض

18/ربيع الآخر/1440

25/ديسمبر/2018


صباح القهوة السمراء

صباح القهوة السمراء

صبـاحُـكِ “فـيروزٌ”، وصُبحي “مُكَـــلـثَمُ”

يُسَــلّيكِ  قـــِيثـــارٌ  وشَــــــدْوٌ   مُــنَــغَّـــمُ

 

صبـــاحُكِ أنــــوارٌ، وصُبــحيَ مُــظْـــلمُ 

وشمـــسُكِ   يا شَــمْسي  شُـــرُوقٌ  مُنَــعَّـمُ

 

صباحُـكِ أورادٌ، وصُبـحيَ   شــــوكَـــــةٌ 

  وأنْسَــــامُكِ الغَرَّاءُ عِطْـــــــــرٌ مُشَــــمَّــمُ

 

حـــدائِــقِيَ اللائي  رأيْـــــتِ حَــــرَائـــقٌ 

 وَزَهْــرُكِ  يا خــضـــراءُ زهــــرٌ مُــنَـمْـنَمُ

 

طيـــــورُك  فيــها  لا  تَـمـلُّ غِنــــاءها

وغِربـــــانيَ  السَّـــــوداءُ  غَـــمٌّ مُـغَـمْـغَمُ

 

هَـــواؤُكِ عِـــطـــــرٌ ليــلَــكيٌّ مُـــــلَــــثّــمُ 

وأهْـــــوَائِيَ العُــــظـــمى هَشـــيــمٌ مُثَـلّمُ

 

وأنهارُكِ المِعْــــطاءُ مــا تـــركــتْ لـــنا 

سِـــوى الهـــمّ مِنه الدمع يَهْمي يُهَـمْـهِمُ

close up photography of a woman in black nail polish holding a mug

Photo by Lisa Fotios on Pexels.com

يَصــيحُ بــيَ النــــايُ الحــزينُ وينثني 

بِتَــــرْجِـــــيْــعَــةٍ تَمْــــتَدُّ أو تَــتَـــلَعْــثَمُ

 

عَليلٌ أنا .. عيــــناكِ أَسْبـــابُ عِلّــتي 

 كما قال لي “الدكتور”، والناس تعلمُ

 

إذا جئــتِ  أضحتْ  مُهجتي  وهْجَ  جمرةٍ 

 وإنْ شَطَّـــت   اللُّـــقــيا فـنـــاري جـهــنّمُ

 

يقــــولُ لـــيَ العُــذَّال: هَـــلا نَسـيتَها؟ 

 فَـمَـنْ يُــخـــبِرُ العٌـــــذَّالَ أنَـي مُــتَــيَّـمُ؟

 

وَمَــنْ يُــخـــبِرُ العُـــــذَّال أنَّ سَـــمَاءَهــا 

سَــــمَـــائيْ، وأنِّي ســــاهِـــرٌ وَمُــنَــجِّـمُ؟

 

تعَالَيْ هُنا … هــلْ لي بقُــبْلةِ حَالِـمٍ 

تُعــيدُ لِــيَ الأيــــامَ صَـــحــواً فـألــثُـــمُ

blur bracelets caffeine close up

Photo by Pixabay on Pexels.com

فَــقَــهـــوَتُكِ السَّـــمراءُ مَـــنٌّ وسُــــكّـــرٌ 

 يَلَــذُّ بـها الـريّــــــانُ .. يَشْــقى ويَنـعَمُ

 

وبَــوحُــكِ إشْــــراقٌ، وصـــوتُـكِ نِـعـمةٌ 

وأنـــتِ على الـــدنـــيا  دواءٌ  مُـــسَـــلّــمُ

 

هشام بن صالح القاضي

23/ربيع الثاني/1439هـ


صَوْت

 

خبئيني  في  بعض   أدراج   إحساسك  وارعَي  كهولتي  واغترابي

أسمعيني بعض الأغاني بصوتٍ
لكِ صوتٌ ـ سبحان ربي ـ ، فأذني
عندليبٌ بكل صوتٍ يناغي
نبرةٌ ليس يعتريها نشازٌ
صوتك العذبُ يرقص الكون منهُ
وعلى كل سلّم يتصبّى
وموسيقى بلا حساب تمادت
كل حرفٍ تفوههُ ليس يبدو
وترٌ إثر وترٍ يتمطى
كتبٌ عبقرية اللحن تشدو
ربةَ الصوتِ حدثيني.. وزيدي
خبئيني عن الهموم وغنّي
  ليس يفنى ترديدها للإيابِ
غَرِقَتْ بين عَذبه وعذابي
والصدى ذاهلاً ينادي الروابي
دقةَ العود واكتمالَ التصابي
تائها في مَجَاهلِ الإعجابِ
كسرابٍ .. أو ربما .. كشرابِ
طربا “إممم” في غاية الإطرابِ
غيرَ قيثارة تناجي شبابي
وأنا هائمٌ يطير صَوابي
من أغاني المُنى، اقرؤوا لي كتابي
أنا منذ الصباح فوق الربابِ
نغماً ساحرا ليوم الحسابِ!
منذ    غنيتِ    لي    رأيتُ    المجانين ،   وليلى     تطل   من    كل    بابِ
ورأيت الأوجاعَ قد نسِيَتْنا
غرّدي .. كل شقشقاتكِ ملهى
يا لصوتٍ كأنه ذَوْبُ روحٍ
بعضه ناعم وبعضٌ جليلٌ
كالسلاطين .. ليس يبدو سواهُ
عشِقَتْ أُذُني حديثَكِ حتى
خبئيني في فِيكِ وانسَي مكاني
شهرزادي، لا تسكتي .. حدثيني
  بدواءٍ من صَوتكِ المستطابِ
أتناسى بهِ ذيولَ اكتئابي
تتغذى من الجَمال المُذابِ
شاعريّ السؤال ، حُلْوُ الجوابِ
رغم حَشدِ الأعْيانِ والأغرابِ
خِلتُ “بشار” قابعا في ثيابي
وزماني وموطني وصحابي
ليس صُبحي بطَالَعٍ خَلابِ

هشام بن صالح القاضي

5/صفر/1438  –  5/ نوفمبر/ 2016


الاستعمار اللغوي

 

بعد عامين تليا أحداث الحادي عشر من سبتمبر، نشرت صحيفة الواشنطون بوست مقالاً للكاتبة سوزان جلاسرتشجع فيها البلاد العربية على انتهاج خطط تعليمية أكثر انفتاحاً، وضربت مثلاً بإحدى الدول العربية التي أصبح نظامها التعليمي “يحوي الكثيرمن  الإنجليزية والقليل من الإسلام”!

أثار هذا المقال منذ عام 2003 ضجة اختلطت فيها السياسة واللغة، والثقافة والدين، والعلم والوهم، وعُقد عدد من المؤتمرات وكُتبت الدراسات في دعم أو تفنيد وجهات النظر التي ربطت الأيديلوجيا باللغة. كان من تلك المرافعات مقالة للكاتب اللغوي سهيل كرماني نشرت عام 2005 في المجلة اللغوية الشهيرة Applied Linguistics بعنوان (الإنجليزية، الإرهاب، والإسلام)، حيث تساءل الكاتب اللغوي كرماني: هل يمكن لنا أن نضع الثنائية الآتية “إنجليزية أكثر وبوذية أقل، إنجليزية أكثر وسيخية أقل، إنجليزية أكثر ويهودية أقل؟!، أو حتى ما هو أشنع: عربية أكثر ومسيحية أقل؟”.

وقبل ذلك بأكثر من عِقد كامل، خلص البروفيسور البريطاني روبرت فيليبسون في كتابه Linguistic Imperialism

robert20small20picture

البروفيسور روبرت فيليبسون

“الإمبريالية اللغوية” إلى أن تعليم الإنجليزية هو في الحقيقة فعل استعماري بأدوات لغوية. لقد مضى على كتاب فيليبسون ما يقرب من 25 عاماً، والبلاد العربية تنتقل في تعليمها من تعليم الإنجليزية الإلزامي إلى التعليم بالإنجليزية! من تعليم الإنجليزية لغةً إلى جانب لغات أخرى بما فيها العربية اللغة الأم (وهو أمر محمود)، إلى التعليم بالإنجليزية لتصبح اللغة الأولى في أنظمة التعليم وتمسي العربية لغة ثانية أو ربما ثالثة. وبينما تتداعى الدول الأوروبية لمقاومة هذه الهيمنة اللغوية من خلال مؤتمرات لغوية وندوات ثقافية واتجاهات مؤسسية إلى تبني التعددية اللغوية، فضلاً عن المحافظة على الإرث اللغوي الأصلي لكل بلد! فإن أنظمة التعليم العربية تتسابق إلى التعلق غير المنطقي باللغة الإنجليزية لتصبح اللغة الأساسية للتخاطب والمحاضرة والكتابة في المواد والمقررات الجامعية الإنسانية والطبية والهندسية والعلمية وغيرها، ربما عدا مواد الدين الإسلامي واللغة العربية (مع أن بعض البلاد العربية تعلم اللغة العربية بواسطة الإنجليزية أو الفرنسية!).

إن مما تفخر به المملكة العربية السعودية أن أنظمتها تحتفي باللغة العربية وتحض على استعمالها وتعاقب على استعمال اللغات الأجنبية في الفضاءين الخاص والعام، بل إن عدداً من التشريعات قد سنت لمعاقبة المخالفات في لغة الإعلانات التجارية في الصحف وفي الشوارع، وفي اللوحات الإلكترونية. كما نصّ مجلس الشورى في قراره الصادر (عام 1371ه) على ضرورة استعمال اللغة العربية في القيودات والمكاتبات والمعاملات التي تصدر عن الشركات الأجنبية والأفراد مع النص على العقوبات عند المخالفة (حسناء القنيعير، العربية في الأنظمة السعودية، صحيفة الرياض 19 /2/ 1435هـ – العدد 16617). وفي نظام مجلس التعليم العالي والجامعات ورد ما نصه “اللغة العربية هي لغة التعليم في الجامعات، ويجوز عند الاقتضاء التدريس بلغة أخرى بقرار من مجلس الجامعة المختص”، كما ورد ضمن سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية أن “الأصل هو أن اللغة العربية هي لغة التعليم في كافة مواده وجميع مراحله إلا ما اقتضت الضرورة تعليمه بلغة أخرى”، وضرورة “ترجمة العلوم وفنون المعرفة النافعة إلى لغة القرآن وتنمية ثروة اللغة العربية من المصطلحات بما يسد حاجة التعريب ويجعل المعرفة في متناول أكبر عدد ممكن من المواطنين” (عيد الشمري، السياسة اللغوية في المملكة وغياب التخطيط اللغوي لتنفيذها، جريدة الاقتصادية، 1/12/2009).

وهو مجرد مثال ضمن أمثلة في الاهتمام بالعربية على المستوى الرسمي لكثير من البلاد العربية حتى أصبحت العربية بفضل تلك الجهود لغة عالمية ضمن اللغات الست المعترف بها من قبل منظمة اليونسكو، غير أن السياسة اللغوية والتخطيط في البلدان العربية لا يبدو منضبطاً من جهة ولا يبدو حقيقياً من جهة أخرى. إذ تتناقض تلك السياسات الرسمية مع الاستراتيجيات المؤسسية الخاصة والعامة وخاصة في مجال التعليم العام والعالي وفي المجال الاقتصادي والدبلوماسي (عبد القادر الفهري، السياسة اللغوية في البلاد العربية، 2013).

لقد حفلت الندوات التي أقامتها منظمة اليونسكو في اليوم العالمي للغة العربية 2016 بالعديد من الموضوعات والمبادرات والتوصيات التي ترفع من شأن العربية وانتشارها على سبيل المثال، إلا أن لغة التعليم تتناقض بشكل صارخ مع هذه الاحتفالية. في إحدى تلك الندوات أشارت المتحدثة سارة ظاهر إلى أن نسبة التعليم باللغة الأجنبية في البلاد العربية تساوي 75%! إن بعض السياسات الجامعية التي تلزم الطلاب بالتعلم من خلال لغة أجنبية وتلزم أو تشجع الأساتذة على النشر باللغة الإنجليزية حصراً هي سياسات تخالف هذا الاتجاه الرسمي وغير الرسمي لدعم اللغة العربية، وتبقي العِلم الذي يحصّله أبناء البلاد العربية غريباً عنها وعن تفكيرها وعن ثقافتها، أجنبياً عن هويتها، بل تبقيه محفوظاً من خلال أبناء العرب مرقوماً بلغة أجنبية عنهم. وما لم يتعلم العرب الإنجليزية فلن يتعلموا العِلم الذي حصّله الطلاب من قبلهم لأنهم كتبوه بلغة غير لغتهم، وهكذا سيبقى العلم أجنبياً على الدوام ، وتبقى اللغة العربية في العقل الجمعي لغة لا تقوى على حمل العلم. كأن اللغة العربية لم تحمل منارة العلم وشعلته إلى الأوروبيين في قرونهم الوسطى، وكأن كل أبناء الوطن العربي اليوم مجرد عاملين مقيمين افتراضيين في البلدان الأجنبية!

إن الفكرة التي لا يستطيع بعضهم قبولها هي أن لغة أخرى قادرة بالفعل على تهديد الأمن الفكري واللغوي القومي، وأن هذا مجرد هراء لا يستقيم في المنطق. أذكر أنني تحدثت قبل سنوات مع أحدهم في ضرورة الحرصenglish-attack-benjaminmadeira-com على كتابة المصطلحات بالعربية، فهز كتفيه مستهتراً قبل أن يرد: وماذا يمكن أن تفعله الكلمات والمصطلحات؟! هذا التساؤل البسيط ينمّ عن جهل شديد بأثر اللغة وارتباطها ال
كبير بالهُوية الثقافية والتشكل الاجتماعي والنظام القيمي. ومع كل الأسف فإن تلك الفكرة حقيقة ثابتة لدى اللغويين الدارسين بشكل لا يدع مجالاً لهؤلاء أن يرفضوها. إنهم فقط حينما يطلعون على الدراسات الاجتماعية اللغوية سيدركون المتلازمات الأيديولوجية والثقافية الثابتة التي تأتي في حقيبة واحدة كتلك التي تأتي مع التعليم بالإنجليزية أو بأي لغة أجنبية.

في مقابلة على الجزيرة عام 2010 مع المذيع ريز خان يقول فيليبسون: “هناك نظام لاختيار اللغات في كل دولة، وليس بالضرورة أن تشمل الخيارات الإنجليزية أو أن تكون الإنجليزية الخيار الأول في كل مكان! في تنزانيا مثلا تتصدر الإنجليزية المشهد ويتلوها السواحيلية ثم عدد من اللغات المحلية، وانطلاقاً من هذا الوضع فإن عددا ًمن اللغات في نيجيريا وتنزانيا ستنقرض مع مرور الوقت، وتلك مأساة، لأن معرفة أن الثقافات مندمجة في اللغات سيعني أن عددا ًمن الثقافات ستخرج وتنتهي من التعدد الثقافي في ذلك البلد، وربما من العالم… والسبب الرئيس في هذا هو الفشل في التخطيط اللغوي خاصة على مستوى التعليم”. ويضيف البروفيسور البريطاني: أن الرئيس السنغافوري لي كوان يو قد ندم كثيراً على اهتمامه المبالغ بفرض الإنجليزية مقابل التقليل من شأن المحليات وأهمها اللغة الصينية ذات الثقل الكبير اقتصادياً.

إن اللغات حينما يغتالها المستعمر فإنها تذهب بإرث ثقافي ضخم هو محصلة الخبرات العلمية والتقاليد الاجتماعية الغنية والديانات والعقائد الخاصة بالبلد المستعمر لغوياً. تأمل الاستلاب الثقافي الذي عانت منه المقاطعات المحيطة بإنجلترا، بسبب السياسات الاستعمارية اللغوية حيث ذهبت لغة الإيرلنديين والسكوتلنديين أدراج الرياح ولم يعد إلا النزر اليسير (أقل من 2%) يتحدثها وأقل من ذلك من يكتب أو يقرأ بها. لقد استعادت إيرلندا استقلالها، لكنها لم تستطع استعادة لغتها!

أما السياسات الاستعمارية الفرانكفونية فهي أشد ضراوة ويشهد الشمال والوسط الأفريقي غياباً للغات المحلية واندثاراً للثقافات الشعبية وسط صمت كصمت القبور التي وارت لغات أولئك البشر كما وارتهم هم. لقد وصل الاستلاب اللغوي والثقافي في تلك البلاد على سبيل المثال إلى أن يكون نشيد العلم في السنغال المستقلة بلغة المحتل الذي ذهب وبقيت لغته وثقافته وهُويّته!

cartoon-tr-philippines

وحينما يطول التغييرُ بفعل الاستعمار اللغوي نظامَ الكتابة، بحيث يتيغير إلى الكتابة بحروف مختلفة، فهو قطيعة ثقافية تُرتكب في حق الأجيال اللاحقة وتاريخ المجتمع وسجلات ذاكرته، وقد حصل هذا التغيير القسري للغة التركية التركية والأندونيسية والسواحلية والكردية وغيرها، لتُكتب بالحروف اللاتينية، بدلا من الحرف العربي. وأصبحت الكتب المكتوبة بالحرف العربي لتلك اللغات القومية ـ في ظل نظام التعليم الأجنبي ـ غريبة لا يمكن أن تقرأها الأجيال ولا أن تستعيد ذاكرتها الثقافية. إنه أمر محزن بلا شك.

وفي رد فعلٍ إيجابي على سياسات الاستعمار اللغوي، فقد شهدت السنوات الأخيرة محاولات العودة الثقافية للإرث القومي اللغوي كتركيا التي أعادت الاهتمام بتعليم العربية والكتابة بالعربية (العثمانية) التي هي إرث ثقافي تركي بدلاً من اللاتينية الغريبة المزروعة في بدايات القرن العشرين. وقامت مقاطعتا ويلز وسكوتلاند في بريطانيا بإعادة الاحترام للغتيهما في لوحات الشوارع وفي النظام التعليمي، كما فرضت تونس عدداً من التشريعات المهمة، وأوصلت إيرلندا لغتها المندثرة إلى الاعتراف الرسمي من قبل الاتحاد الأوروبي سعياً إلى إعادة إحيائها.

إن من المهم جداً أن تجدّ الدول العربية في تنفيذ السياسات اللغوية الإيجابية الموجودة أساساً في المواثيق والأنظمة العربية منذ نصف قرن على الأقل، وأن تساهم في تحسين نماذج التخطيط اللغوي وتطبيقاته وخاصة ما تعثر منها، ويمكن إجمال الأولويات في خمس خطوات:

أولها: إعادة الأهمية القومية للغة العربية في مراحل التعليم كلها وإحلالها محل اللغات الأجنبية التي استحلت النظام التعليمي، وذلك بواسطة عكس النسبة اللغوية الحالية بحيث لا تقل نسبة التعليم باللغة العربية في التعليم العام والعالي عن 75%.

ثانيها: استرجاع الوهج الثقافي والمركز الاجتماعي للغة العربية والدفاع عن ذوبانها التدريجي على لوحات الشوارع واللافتات الكبرى، وفي صيغ العقود والمكاتبات التجارية، وفي المناسبات الرسمية والدولية والدبلوماسية، ودعم الخط العربي بوصفه نوعاً من الجمال الفني القومي في المجال البصري العام.

ثالثها: تعليم اللغات الأجنبية في بيئة اللغة الوطنية أو القومية والسماح بما يسمى التعددية اللغوية مع بقاء اللغة القومية في مركزها كلغة أم.

رابعها: دعم الترجمة من العربية وإليها وتعريب العلوم وتوطينها وتوفير المراكز المتخصصة في الجامعات وتلك التابعة لمؤسسات ثقافية أو المستقلة ودعمها بالمتخصصين بشرياً وبالإجراءات النظامية معنوياً وبالبنود الخاصة في الميزانيات مادياً.

وخامسها: الاتصال باللغات الشرقية وخاصة الصينية واليابانية، فلها عمق ثقافي كبير وإرث تاريخي طويل يفوق ما لدى اللغات الغربية كالإنجليزية والفرنسية.

غني عن القول إن اللغة وعاء الثقافة الشعبية، ومستودع الذاكرة العلمية، والمأرز الثقافي لأجيال المستقبل الناطقين بها. وإن العبث بها ليس كالعبث بالبطاقة التعريفية فقط، بل هو عبث مدمر لعدد من الشرائح المركبة في الأنا الثقافية للإنسان. إنه عبث بالهُوية ومساس بالذاكرة الرئيسة الواعية وغير الواعية على السواء. بل هو استهداف للعقل الجمعي، ولما يتصل بعمليات التفكير وطرائقه وما ينتج عنه، وما لم يكن التخطيط اللغوي واعياً لسياسيات الاستعمار اللغوي، وما لم يكن التطبيق راشداً في تنفيذ السياسة اللغوية العربية، فإننا سنصحو يوماً لنقول لبعضنا جميعا: Good morning guys!

*أصل هذا المقال منشور في مدونات الجزيرة   via @AJABlogs


لغز السعادة

heshamalqadi هشام القاضي

لغز السعادة

ما الذي يجعلنا سعداء؟ هل هو الغنى والثراء والشهرة؟ فما بال بعض الأغنياء ونجوم الفن والغناء والكرة على مستوى العالم بؤساء مدمنين وبعضهم يقتل نفسه منتحراً متخلصاً من كل ملذات الدنيا التي بين يديه؟ هل هو الدين؟ فلماذا تنتشر العيادات النفسية والمشاكل الاجتماعية والقلق المتزايد لدى بعض المتدينين؟ أم هو العلم فلم يظهر بعض العلماء وأساتذة الجامعات المرموقين وحيدين مهمومين يعيشون في عالمهم الصغير فيما لا يمكن وصفه بالسعادة ؟؟ والأسئلة تظل تطرح في كل جهة فيما تظل الإجابات غير كافية ولا شافية فثمة تفاصيل ودقائق صغيرة مجهولة تعتلق السعادة في مستوييها الآني والطويل. لقد تساءل علماء الدين والنفس والاجتماع والفلاسفة وألف بعضهم الكتب للإجابة عليه ولكل منهم جواب مختلف ونظرية محددة أو عائمة.

لا شك أن الإيمان بالله سبحانه وتعالى وذكره يبث سعادة في النفس وهناء في الحياة كما قال عز وجل :” ألا بذكر الله تطمئن القلوب” وفي المقابل يقول سبحانه “ومن أعرض عن ذكري فإن…

View original post 843 more words


استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في تعليم اللغة*

arabiclangday3

منذ أن جاءت شبكة الإنترنت فاتصل العالم ببعضه من خلال نقرات قليلة، لم نلبث قليلا حتى انقلبت كثيرمن المفاهيم والتصورات حول طرق التعليم وأساسياتها وليس أولها التعليم الذاتي/الفردي Autonomous learning ، ولا أوسطها التعليم الجماعي ذو الأوقات المختلفة، ولا آخرها التعليم الخصوصي الذي أتى بالمعلمين الخصوصيين على اختلاف تخصصاتهم من أصقاع الأرض إلى طاولتك أينما كنت تجلس. إن من المثير حقاً أن نشهد اليوم هذا التسارع العجيب الذي لا نستطيع معه التقاط أنفاسنا ـ نحن المهتمين بالتعليم والمناهج – ولا حتى التوقف أحياناً لفهم الذي يدور في عالم التقنية ومخرجاته. وكلما أنجزنا ما نحتفل به في مواكبة هذا العالم الافتراضي، فوجئنا بأننا نزحف زحفاً خلف التقنيات الجديدة!

ليس هذا على مستوى العالم العربي وحده برغم تخلفه في هذا الصدد، بل حتى على مستوى دول العالم المتقدم المنتجة لتلك الإبداعات التقنية ومحاولة استثمارها في المجالات المختلفة، ومنها التعليم وتعليم اللغة بشكل أخص. لكن البون يظل شاسعاً غير مطمئن بين من هم خلف تلك التقنيات يكادون يمسكون بذيولها وبين من لا يرون من كل ذلك إلا الغبار في انتظار أن ينقشع لتتضح الرؤية.

ولَدت التقنيات الحديثة وخاصة تلك المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي جيلاً جديداً من المتعلمين الذين ربما لم يمروا بالقلم والورقة إلا لماما! وسمي هذا الجيل في الأدبيات الغربية Digital Natives التقنيون الأصيلون في إشارة إلى أن لغتهم الأساسية هي التقنية قبل أي شيء آخر. لقد باتت الكتب الورقية والمكتبات التقليدية (تعرفونها تلك التي تحوي رفوفاً وكتباً مختلفة) شيئاً غير مألوف بالنسبة لهذا الجيل كما هو بالضبط بعض التقنيات غير المألوفة بالنسبة لنا! إن عليهم أن يبحثوا بجهد مضاعف في تضاعيف تلك الكتب، كما نفعل نحن عندما نواجه تقنية جديدة نحاول تطويعها بين أيدينا.

بدأت شبكات التواصل الاجتماعي أول ما بدأت ضعيفة وعلى مستوى تواصل تجريدي. مثلت تلك المرحلة مواقع مثل Second Life حيث كان الناس يتقمصون شخصيات مرسومة ويستطيعون تعديلها والمشاركة في النقاشات والحياة الاجتماعية الافتراضية. إلا أن تلك المرحلة لم تدم طويلا لأسباب ليس هذا محل ذكرها. وتعددت بعدها التطبيقات والنماذج للحياة الافتراضية والشبكات الاجتماعية وصولا إلى عصر يوتيوب وفيسبوك وتويتر وبنترست وإنستاجرام، ومؤخراً سنابشات وواتساب. وفيما كان بعض تلك الشبكات عاماً مثل فيسبوك وتويتر وجوجل بلس، فقد كان بعضها متخصصاً في شأن محدد مثل فورسكوير في المطاعم، و ووردبرس وبلوق للنشر الثقافي، وفليكر لهواة التصوير، وترب أدفايزر لهواة السفر … وهكذا.

تلك كانت مقدمة سريعة لما حصل ويحصل في عالم الشبكات الاجتماعية، وإذا كان لنا أن نقترب أكثر من تعليم اللغات باستخدام تلك الشبكات ونبحث مدى إسهامها ونقيس نجاحها، فعلينا أن نلقي نظرة سريعة أخرى على مساق تعليم اللغة بواسطة التقنية. لقد بدأ ذلك بما يسمى عند دارسي اللغويات بـ CALL وهو تعليم اللغة بواسطة الحاسوب، من خلال توفير حوارات صوتية ومصورة وتدريبات مختلفة لمتعلم اللغة وتحويل التعليم الذاتي من الصورة النمطية ذات الاتجاه الواحد إلى صورة ذات اتجاه ثنائي تفاعلي. ولكن وصول النسخة الثانية من الويب التي حملت سرعات عالية وسمحت لتلك التطبيقات الاجتماعية المتقدمة بالنشوء والتطور، قد غيرت الكثير منذ ذلك الحين على مستوى المحتوى تحديداً.

إن المثير في الأمر هو تراجع السلطة التعليمية في إعداد المحتوى اللغوي وبروز مجتمع مختلف يضم المتخصصين وأنصافهم وغير المتخصصين أيضاً. حيث سمحت تلك الشبكات للأفراد العاديين أن ينشئوا قنواتهم الخاصة وصفحاتهم ودروسهم التعليمية التي أتاحوها للجميع مجاناً، فتحوّل التعليم اللغوي من النظام المؤسسي المعتاد في المعاهد والمراكز إلى نظام مختلف تتعدد أطرافه وإن بقي الرسمي منه على وجهه الاعتيادي الذي ما يزال يمنح الشهادات مقابل اجتياز الاختبارات اللغوية.

ومع أن بداية ظهور هذا النوع الجديد من التعليم اللغوي المعتمد على الشبكات الاجتماعي كان بواسطة المدونات الشخصية لblogs ومواقع التحرير المتعدد wikis إلا أن أثرها بقي محدوداً حسب الدراسات مقارنة بالتطبيقات والأدوات اللاحقة.

لقد أصبح متعلمو اللغات اليوم أكثر اهتماما بالتعليم السريع من التعلم لدى المراكز الرسمية، بسبب أن مدة الانتباه لدى المتصلين بهذه الشبكات الاجتماعية قد تقصلت كثيراً. فوق هذا فإن أولئك المتعلمين المتصلين دائماً لم يعد يغريهم المحتوى الذي يقدم في فصول تعلم اللغة والذي لا يتعاطى مع الوضع التقني الجديد. لأنهم أصبحوا معتادين على ما هو غني بالتوضيحات والرسوميات والفيديو أكثر من أي شيء آخر بالإضافة إلى معدلات سرعة تعلم قصوى.

وساعدت الأجهزة الذكية من الجوالات والحواسيب اللوحية في دعم هذا الاتجاه بشكل كبير. إن نسبة المتصلين من خلال الأجهزة الجوالة بالإنترنت يتجاوز 80% من نسبة المتصلين بالإنترنت ككل. إذا تذكرنا أنه يسكن مستعمرة فيسبوك ما يقارب مليار ونصف إنسان، فإن علينا أن ندرك أنه لم يعد لدى المتعلم ما يضيعه من وقت في الانتظار من أجل الفروق الفردية أو نقص التجهيزات، فالطالب سريع التعلم لن ينتظر الطالب المتوسط، وهذا بدوره لن ينتظر ليلحق به بطيئ التعلم.

هذا الواقع ساهم أيضاً في استحداث ما يمكن أن يصطلح عليه بالتعلم المتنقل، حيث يمكن لمتعلم اللغة الحصول على التعليم المجاني أو شبه المجاني بينما هو ذاهب أو راجع من عمله أو دراسته. وساهمت تلك التطبيقات بدورها في صناعة المعلم الجاهز في كل وقت، ومجموعات التعلم والأصدقاء الذين يشاركون المتعلم حماسته واهتمامه واستمتاعه باللغة التي يتعلمها.

ورغم محاولة بيئات التعليم الافتراضية – سواء منها تلك التابعة لمؤسسات رسمية مثل Black Board أو تلك التي يستفيد منها في الغالب مؤسسات وأفراد غير رسميين مثل Moodle – رغم محاولتها المشاركة في هذه الاحتفالية بتعليم اللغات إلا أن أثرها ظل محدوداً في مقابل التأثير الكبير للشبكات الاجتماعية. لقد أصبحت الوسائط الاجتماعية وأدواتها بحسب دراسة علمية قام بها Wang & Vasquez  (2012) البيئة المفضلة لدى متعلمي اللغات.

ويعود هذا التفضيل إلى أسباب منطقية تشمل ما يلي:

  • الأُلفة: حيث يعرف الطلاب هذه الأدوات في التوصيل الشبكي بالمجتمع العالمي عن قرب ويستطيعون الاندماج فيها بسهولة لغرض تعلم اللغة.
  • التجوال: حيث يمكن لهم التعلم في أي وقت وفي أي مكان، ولا يمنعهم السفر ولا الانشغال في أوقات الفصول الدراسية مثلاً عن البقاء في دورة تعلم اللغة، لأن ذلك رهن أيديهم.
  • المرح: لا يعد متعلمو اللغة أوقاتهم التي يقضونها تعلم اللغة بواسطة تلك الأدوات والتطبيقات وقتاً مملاً كما يصفون عادة الأوقات التي يقضونها داخل الفصول الدراسية.
  • المصادر اللامنتهية: في المكتبات المدرسية والمناهج التعليمية الخاصة بمراكز تعليم اللغة يجد المتعلم رفوفاً وكتباً ووسائط تعليمية كثيرة أو قليلة لكنها لا تشبه بأي حال سواء من حيث الكم أو من حيث الكيف تلك المصادر الصوتية والمرئية والمكتوبة التي يستطيعون الحصول عليها من خلال نقرات قليلة على جوالاتهم.
  • التكلفة شبه المعدومة: فالمتعلمون يحصلون على تعليم متواصل دون قيود الزمان والمكان وبدعم مصادر لا محدودة، وكل هذا بتكلفة لا تكاد تذكر.

نشرت صحيفة الجارديان البريطانية في 10 إبريل 2012 خمس طرق لاستثمار الشبكات الاجتماعية في تعليم اللغة وذكرت إنشاء صفحات متخصصة على فيسبوك وتويتر ويوتيوب وبنترست بالإضافة إلى مدونة خاصة.

واليوم لدينا العديد من النماذج المشرقة في تعليم اللغات في يوتيوب وقنوات تيليجرام وعلى صفحات تويتر وفيسبوك، وفي تعليم العربية على الخصوص فإن العديد من المؤسسات والأفراد قد قاموا بجهود مشكورة فمن المؤسسات يمكن أن نذكر قناة الجزيرة ومؤسسة العربية للجميع ومركز المدينة التعليمي وArabicPod101 والأكاديمية العربية الافتراضية ومركز البيان وغيرها. وأما الأفراد فلا يمكن رصد عددهم الكبير ولا طبيعتهم الاعتبارية لكون كثير من تلك الحسابات الناشطة في عدد من التطبيقات تحت أسماء وألقاب من نوع تعلم العربية، انطلق للعربية، وغيرها إلا أنهم فاعلون بشكل كبير. غير أن المتعلم سيجد بلا شك تعلم اللغة العربية مثلاً مع “كارول” أو مع “مها” أو مع “مصطفى” أكثر جاذبية وقرباً من دور المؤسسات في هذا العالم الافتراضي، لأن الأفراد أكثر قدرة وإبداعاً واستمتاعاً في استثمار إمكانات الشبكات الاجتماعية في تعليم اللغة الثانية.

ومع كل تلك النجاحات التي حققتها هذه الشبكات واحتفلت بها نظريات اكتساب اللغة الثانية سواء منها المنطلقة من وظيفية اللغة ودورها الاجتماعي والتفاعلي، أو تلك التي تركز على المقاربة التواصلية لتعليم اللغة، إلا أن القليل من المتعلمين من يواصل تعليمه اللغة الثانية أو غيرها حتى الإتقان لأسباب تعود في الغالب إلى عدم التخصص في تعليم اللغة، حيث تنقص تلك الأدوات كما يشير ميلر وميلر 2000 إلى ضعف المحتوى المصمم بطريقة علمية مقارنة بالمحتوى المقدم في المناهج وفصول تعليم اللغة. فقد يفتقد المحتوى في هذه التطبيقات إلى أهداف تعليمية محددة وإطار تنظيري يستفيد من تلك الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها تطبيقات الشبكات الاجتماعية. وبإزاء ذلك فإن حجم التشتيت الذهني من خلال الدعايات والتنبيهات والمشاركات والوسوم …الخ يمثل عقبة في مواصلة التعلم اللغوي حتى بالنسبة لتلك الفترة القصيرة من الانتباه التي تتسم بها تلك الأدوات الافتراضية. ويقودنا هذا إلى ملحوظة أخرى تتعلق بالشكل التقني لتطبيقات الشبكات الاجتماعية، الذي يمحو الكثير من الخصوصية الشخصية والمعلوماتية للمتعلم.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى دعم تلك النجاحات ـ كما تشير الدراسة إلى أجراها تشين لين وزملاؤه 2016 ـ من خلال تدخل المتخصصين في وضع أطر نظرية لغوية وتعليمية تواكب هذه الطفرة التقنية، وإعادة تشكيل المحتوى المناسب لمثل هذا الشكل التقني المتقدم، بحيث يحوي نشاطات مختلفة مبنية من هذا الواقع الافتراضي الجديد الذي يجعل الأولوية للمشاركة والاتصال لا من الواقع التقليدي الذي يركز على إكساب المهارات فقط.

د. هشام بن صالح القاضي

*شاركت بهذه الورقة في الندوة التي أقامتها الجامعة السعودية الإلكترونية احتفالاً باليوم العالمي للغة العربية